لن أُنافس
نحن لا نختار معظم العلاقات التي تبدأ بها حياتنا.
لا نختار آباءنا، ولا أمهاتنا، ولا إخوتنا، ولا العائلة التي نولد فيها. نأتي إلى الدنيا فنجد وجوهًا سبقتنا إليها، وروابط تشكلت قبل أن نعرف معنى الاختيار.
ثم نكبر، فتجمعنا الحياة بأصدقاء وزملاء ومعارف، بعضهم تقرّبه الظروف، وبعضهم تُبعده الأيام.
لكن هناك علاقة تختلف عن سائر تلك الروابط.
الزواج.
رجلٌ اختار امرأةً من بين النساء، وامرأةٌ نظرت إليه، وفكّرت، ثم وافقت أن يكون شريكًا لعمرها.
لم يفرضهما الميلاد أحدهما على الآخر، ولم تكن العلاقة مجرد مصادفة عابرة، بل قرارًا اتخذه اثنان ليصنعا حياةً مشتركة.
اختارا بعضهما، لا لأنهما أكمل البشر، بل لأن كلًّا منهما وجد في الآخر ما يجعله راغبًا في إكمال الطريق معه.
ولكن لماذا يتحول هذا الاختيار، بمرور السنوات، إلى سباقٍ مع أشخاصٍ لم يكونوا يومًا طرفًا فيه؟
⸻
حين نقيس حياتنا بحياة الآخرين
نعيش في عالمٍ نرى فيه أكثر مما نعرف.
نشاهد البيوت والسيارات ورحلات السفر، ونسمع حكايات النجاح، ونقرأ عن حياةٍ تبدو أجمل وأسهل من حياتنا.
ثم تبدأ المقارنة.
هذا يملك أكثر، وذاك حقق أسرع، وهؤلاء يعيشون أفضل.
ولا تلبث المقارنات أن تتجاوز الأشياء إلى الإنجازات والأحلام.
فلان بلغ منصبًا لم نبلغه، وآخر نجح في مشروعٍ لم نجرؤ على بدئه.
ثم يصل الدور إلى أبنائنا؛ نقارن نجاحهم بنجاح غيرهم، ودراستهم بدراستهم، وحتى اختياراتهم في الحياة تصبح جزءًا من سباقٍ لم يختاروا دخوله.
وننتقل إلى تفاصيل معيشتنا، وطريقة تربيتنا، وعاداتنا، وكيف نقضي أوقاتنا.
حتى السعادة نفسها تصبح موضع مقارنة!
والعجيب أننا قد نكون راضين بحياتنا، حتى نرى حياة الآخرين.
فهل نقص ما نملك، أم تبدلت أعيننا؟
نلتقط من حياة هذا أجمل لحظاته، ومن حياة ذاك أعظم نجاحاته، ومن ثالث أفخم ممتلكاته، ثم نجمعها في صورةٍ واحدة، ونحاكم حياتنا على أساسها.
نقارن أيامنا العادية بأجمل ما اختار الآخرون إظهاره من أيامهم.
وكأننا نسابق أشخاصًا لا يعلمون بوجود السباق!
لستُ ضد الطموح، ولا أرى بأسًا في أن نتعلم من نجاح الآخرين. فالمقارنة قد تفتح بابًا للتطور، لكنها حين تصبح مقياسًا دائمًا للرضا، تسلب الأشياء قيمتها، وتحوّل النعمة إلى نقص، والإنجاز إلى تقصير.
قد نختلف حول ما نحتاج إليه، وما نطمح لامتلاكه، وما نرجوه لأبنائنا.
قد نتجادل حول منزلٍ أو سفرٍ أو مالٍ أو مستقبل.
وكل ذلك قابل للنقاش والتفاهم.
لكن هناك حدًّا لا أقبل أن تتجاوزه المقارنات.
أن تنتقل من الأشياء التي نملكها، إلى الإنسان الذي اخترناه.
وهنا…
لن أُنافس.
⸻
لن أُنافس
لن أكون في سباقٍ مع رجلٍ آخر لأنكِ أعجبتِ بما يملك، أو بما حقق، أو بطريقة حديثه أو معاملته لزوجته.
ولن أضعكِ في منافسةٍ مع امرأةٍ أخرى لجمالها، أو أناقتها، أو أسلوبها، أو بما تقدمه لزوجها.
فما بيننا ليس مسابقةً نبحث فيها كل يومٍ عن الفائز.
قد يكون غيري أغنى، أو أنجح، أو أقدر على التعبير عن مشاعره.
وقد تكون غيركِ أجمل في نظر البعض، أو أمهر في أمرٍ من الأمور.
وهل تنتهي المقارنات أصلًا؟
سيبقى دائمًا من يتفوق علينا في شيء، ومن نتفوق عليه في آخر.
لكنني لم أختركِ لأنكِ تفوقتِ على نساء العالم، ولم تختاريني لأنني أفضل رجال الأرض.
اخترنا بعضنا لنعيش معًا، لا لنظل نثبت أننا نستحق هذا الاختيار.
فإن أردتِ اهتمامًا، فاطلبيه مني، لا أن تحدثيني عن اهتمام رجلٍ آخر بزوجته.
وإن اشتقتُ إلى قربكِ، فسأخبركِ بشوقي، لا أن أذكّركِ بما تفعله امرأةٌ أخرى لزوجها.
من حقنا أن نطلب التغيير، وأن نعاتب، وأن نختلف، وأن نسعى إلى حياةٍ أفضل.
لكن ليس من حق أحدنا أن يجعل الآخر يشعر أنه أقل قيمةً لأن شخصًا آخر يفعل شيئًا مختلفًا.
والمؤلم أن المنافسة قد تبدأ بأمرٍ تافه.
تعليقٍ عابر، أو مقارنةٍ في مظهر، أو كلمةٍ قيلت على سبيل المزاح.
قد ينسى قائلها ما قال، لكن من سمعها قد يظل يتساءل:
ألم أكن اختيارك؟ فلماذا تريدني الآن أن أكون غيري؟
ليست خطورة المقارنة في أهمية ما نقارن فيه، بل فيما تتركه من شعور.
شعور أن العطاء لا يكفي، وأن المحبة تحتاج إلى إثباتٍ دائم، وأن المكانة التي بدأت باختيارٍ حرّ أصبحت مشروطةً بالتفوق على الآخرين.
وأنا لا أريد أن تعيشي هذا الشعور، ولا أريد أن أعيشه.
لا أريدكِ أن تخشي امرأةً قد تعجبني صفةٌ فيها، ولا أريد أن أخشى رجلًا قد ترين في نجاحه ما يستحق الإعجاب.
فالإعجاب بما عند الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاصٍ ممن نحب.
وإن كان في حياتنا نقص، فلنكمله معًا، لا أن نبحث عمّن نلقي عليه اللوم.
فأنا لا أرفض أن أصبح أفضل من نفسي بالأمس.
لكنني أرفض أن تصبح قيمتي عندكِ مرهونةً بأن أكون أفضل من رجلٍ آخر.
وأعدكِ ألا أجعل قيمتكِ عندي مرهونةً بأن تكوني أفضل من امرأةٍ أخرى.
⸻
وأما أنتِ يا حبيبتي…
فتعالي نترك العالم قليلًا، بكل ما فيه من سباقاتٍ ومقارنات.
تعالي نعود إلى حيث بدأنا.
إلى رجلٍ اختار امرأةً، وامرأةٍ اختارت رجلًا، دون أن يعرفا كل ما تخبئه لهما الأيام.
فلا تخافي، حبيبتي…
لا تخافي من جمالٍ تقع عليه عيناي، ولا من حديثٍ جميلٍ أسمعه، ولا من امرأةٍ قد ألتقي بها.
فالعين قد ترى الكثير، والأذن قد تسمع الكثير، لكن القلب يعرف أين يسكن.
وأنتِ سكنُ قلبي.
أنتِ ما أرى حين أبحث عن الجمال، وما أسمع حين أشتاق إلى الحنان، وما أقول حين يسألني أحدهم عن معنى الحب.
أنتِ دفئي حين يبرد العالم، وحضني حين تضيق الحياة، وسكينتي حين تعجز الكلمات عن تهدئتي.
أنتِ ملاذي إذا تعبت، ووجهتي إذا تهت، والوجه الذي أحب أن أبدأ به أيامي وأن أختمها بالنظر إليه.
لم أختركِ لأنكِ تشبهين امرأةً تمنيتها.
بل لأنكِ جعلتِني أحب أشياء لم أكن أعلم أنني أبحث عنها.
أحببتُ ضحكتكِ، وصمتكِ، وتفاصيلكِ الصغيرة، وحتى اختلافكِ عني.
وإن غيّرت السنون ملامحكِ، فلن أبحث عن شبابكِ في وجه امرأةٍ أخرى.
سأرى في ملامحكِ عمرًا عشناه، وفي كل أثرٍ تركه الزمن حكايةً لا يعرفها سوانا.
وإن تعبتِ يومًا، فلن أقارنكِ بمن لم تتعب.
وإن قصّرتِ، فلن أستدعي امرأةً أخرى لأثبت لكِ ما ينقصكِ.
وإن اختلفنا، فسيبقى خلافنا بين قلبين اختارا أن يجتمعا، لا بين متنافسين ينتظر أحدهما هزيمة الآخر.
حبيبتي…
قد أتمنى بيتًا أكبر من بيتنا، أو حياةً أوسع مما نعيش، وقد أحلم بأشياء لم نحققها بعد.
لكنني لا أريد بيتًا يتسع لكل شيءٍ ويضيق فيه صدرانا.
ولا حياةً يعجب بها الناس، ونفقد نحن فيها طمأنينتنا.
أريد أن نكبر معًا، وأن نحفظ لأنفسنا حكايةً لا تشبه حكايات الآخرين.
أن نفرح بما حققناه، ونتصالح مع ما فاتنا، ونواصل الحلم دون أن نندم على الحياة التي عشناها.
وحين تنظرين إلى المرآة، لا أريدكِ أن تتساءلي إن كنتِ ما زلتِ أجمل من غيركِ في عيني.
أريدكِ أن تبتسمي، لأنكِ تعلمين أن مكانكِ في قلبي لا يُعرض للمقارنة.
فمكانكِ ليس جائزةً تنتظر الفائزة، بل وطنٌ لا أبحث له عن بديل.
وإن سألتِني يومًا:
ألا تخشى أن تجد امرأةً أفضل مني؟
فسأقول لكِ:
ربما في الدنيا من تفوقكِ في أشياء، كما أن فيها من يفوقني في أشياء.
لكن الحب ليس مسابقةً يفوز فيها صاحب أعلى الدرجات.
ولو كان كذلك، لما اطمأن قلبٌ إلى قلب.
أما أنا، فقد عرفتُ ما أريد حين عرفتكِ.
ولم أعد أبحث عمّن هي أفضل منكِ…
لأنني لم أعد أبحث أصلًا.
فكوني كما أنتِ، ولنحاول أن نصبح معًا أفضل مما كنا عليه.
ودعينا نترك للعالم سباقاته، ونمضي نحن في طريقنا.
فقد اخترتُكِ لتكوني شريكتي، لا متسابقةً تسعى كل يومٍ إلى إثبات استحقاقها لحبي.
لن أُنافس أحدًا عليكِ، ولن أجعلكِ تُنافسين أحدًا عليّ.
فأنا لكِ باختياري، وأنتِ معي باختياركِ.
لقد اخترتُكِ يومًا… وما زلتُ أختاركِ، كل يوم.