الحب الذي لا اسم له
حين يعجز العشق عن وصف علاقةٍ لم تولد إلا بعد أن مرّ العمر.
قال الابن لأبيه، وقد رآه ينهض من مجلسه ليحضر شيئًا لأمه قبل أن تطلبه:
— أبي، هل ما زلت تحب أمي كما كنت تحبها في شبابك؟
ابتسم الأب، لكنه لم يُجب.
أعاد الابن سؤاله، وأضاف ضاحكًا:
— أم أن الحب يتراجع حين يتقدم الإنسان في العمر؟
نظر الأب إلى زوجته الجالسة بعيدًا، ثم قال:
— أتدري يا بني أن العرب أبدعوا في وصف الحب؟ تحدثوا عن الهوى، والصبابة، والشغف، والعشق، والوجد، والهيام. كلمات كثيرة، لكل منها معنى وصورة وإحساس. ولكنني بعد كل هذه السنوات، لم أجد بينها كلمة واحدة تكفي لوصف ما أشعر به تجاه أمك.
قال الابن:
— أليس العشق أبلغ من الحب؟
— ربما في وصف شدة التعلق، لكنه لا يصف كل شيء. فهل تظن أن الإنسان يستطيع أن يعيش عمرًا كاملًا على شدة الشوق ولهفة اللقاء؟
سكت الابن قليلًا.
فأكمل الأب:
— سأخبرك بأمر غريب. حين تزوجت أمك، كنت أظن أن الحب هو أعظم ما يمكن أن يجمع رجلًا بامرأة. وحين أنجبناكم، اكتشفت أن القلب يتسع لأنواع أخرى من الحب لم أكن أعرفها.
أصبحت أمك أمًّا، وأصبحت أنا أبًا. وتوزعت أيامنا بين العمل وتربيتكم ومدارسكم وأمراضكم وأفراحكم ومشكلاتكم.
لم نعد نملك من الوقت ما كنا نملكه في بداية زواجنا.
لكن ما لم نفهمه حينها أن علاقتنا كانت تتغير، دون أن نلاحظ.
قال الابن:
— وكيف تتغير العلاقة دون أن يشعر بها أصحابها؟
أجاب الأب:
— لأن الإنسان لا ينتبه دائمًا إلى ما ينمو بهدوء. أتذكر نفسك حين كنت طفلًا؟ هل شعرت بطولك يزداد كل يوم؟ ومع ذلك، أصبحت رجلًا.
وهكذا بعض العلاقات. تنمو بينما ينشغل أصحابها بالحياة.
ثم صمت الأب لحظة، وقال:
— ولكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ إلا بعد أن غادرتم المنزل.
استغرب الابن:
— بعد أن غادرنا؟!
— نعم. حين تزوجتم واستقل كل واحد منكم بحياته، وحين تقاعدت أنا، وهدأت مسؤوليات أمك، اكتشفنا شيئًا لم نفكر فيه طوال أربعين عامًا.
لقد عدنا اثنين، كما بدأنا. لكننا لم نعد الشخصين نفسيهما.
نظر الابن إلى أبيه باهتمام أكبر.
قال الأب:
— في شبابي كان لي أصدقاء وزملاء وعمل وأحاديث ومجالس. وكانت لأمك علاقاتها واهتماماتها ومسؤولياتها. وكان البيت مزدحمًا بكم وبالحياة.
كنت إذا أردت الحديث عن عملي، وجدت زميلًا يفهمني. وإذا أردت الترفيه، وجدت صديقًا يرافقني. وإذا ضاقت بي الدنيا، بحثت عمن يسمعني.
لكن بعد التقاعد تغير كل شيء.
لم يختفِ الأصدقاء، ولكن المواعيد قلت. ولم يبتعد الأبناء عن قلوبنا، ولكن لكل واحد منهم بيته وعمله ومسؤولياته.
أصبح النهار أطول، والبيت أهدأ، والأحاديث أقل.
وهنا اكتشفت أمرًا لم أتوقعه.
قال الابن:
— وما هو؟
قال الأب:
— اكتشفت أن أمك ليست زوجتي فقط.
تعجب الابن وضحك:
— وماذا تكون أيضًا؟
— أصبحت صديقتي التي أروي لها ما يدور في رأسي، وزميلتي التي أناقش معها تفاصيل يومي، ورفيقتي التي أشاركها صمتي قبل حديثي.
أجد عندها شيئًا من حنان الأم حين أمرض، وشيئًا من اهتمام الأخت حين أقلق، وشيئًا من صراحة الصديق حين أخطئ.
وأحيانًا أكون أنا من يحتاج إلى نصيحتها، وأحيانًا تكون هي من تبحث عندي عن الطمأنينة.
لسنا أبًا وأمًّا لبعضنا بالمعنى الحقيقي، ولكن علاقتنا أصبحت تحمل معاني الرعاية والمساندة والاحتواء التي نبحث عنها في روابط إنسانية متعددة.
قال الابن:
— أتقصد أن الزوجة تعوض الرجل عن جميع الناس؟
هز الأب رأسه:
— لا يا بني، فهذا أمر لا أتمناه لي ولا لها. الإنسان يحتاج إلى أهله وأصدقائه ومجتمعه مهما تقدم به العمر.
لكن هناك فرقًا بين أن يكون لديك من تتحدث إليه، وبين أن يكون لديك من يعرف لماذا تتحدث، ولماذا تصمت.
أصدقائي يعرفون جوانب من حياتي، وأمك تعرف رحلتي.
رأتني شابًا أظن أنني أستطيع تغيير العالم، ثم رأتني رجلًا أنهكته المسؤوليات، ثم رأتني أتقاعد وأحاول اكتشاف معنى جديد لأيامي.
ورأيتها هي كذلك تتغير.
عرفتها قبل أن تصبح أمًّا، ثم رأيتها تحمل أعباء الأسرة، وتخاف عليكم، وتفرح لنجاحاتكم، وتحزن لما يصيبكم، ثم رأيتها تعود إلى نفسها بعد أن كبرتم.
نحن لا نحب الصورة التي عرفناها في بداية الزواج فقط؛ لقد عشنا مع الصور المختلفة للإنسان نفسه.
سأل الابن:
— وهل هذا ما يجعل الحب أقوى مع العمر؟
قال الأب:
— ليس دائمًا.
وهنا نظر إليه الابن باستغراب.
تابع الأب:
— بعض الأزواج يقضون أربعين عامًا تحت سقف واحد، ثم يكتشفون بعد التقاعد أنهم لا يعرفون كيف يجلسون معًا ساعة واحدة.
كانت الأعمال تشغلهم، والأبناء يجمعونهم، والمسؤوليات تمنح أيامهم موضوعات مشتركة.
وحين هدأت الحياة، ظهرت المسافات التي كانت مختبئة خلف ضجيجها.
فالسنوات وحدها لا تصنع الألفة، كما أن طول الطريق لا يجعل المسافرين أصدقاء.
قال الابن:
— إذن ما الذي صنع علاقتك بأمي؟
فكر الأب قليلًا، ثم قال:
— ربما لأننا لم نحاول أن نبقى الشخصين اللذين تزوجا قبل أربعين عامًا.
سمحنا لبعضنا أن نتغير.
اختلفنا، وغضبنا، وأخطأنا، وتنازلنا أحيانًا، وتمسك كل منا برأيه أحيانًا أخرى.
لم تكن حياتنا قصة حب خالية من المشكلات، ولم يكن استمرارنا دليلًا على أننا اتفقنا في كل شيء.
لكننا، مع مرور الوقت، تعلمنا كيف نفهم اختلافاتنا دون أن نجعلها تهديدًا دائمًا لعلاقتنا.
ثم ابتسم وقال:
— والأغرب من ذلك أنني اليوم قد أجلس إلى أمك ساعات دون حديث طويل، ولا أشعر بالوحدة.
بينما كنت في شبابي أجلس بين عشرات الناس، وأشعر أحيانًا أن لا أحد يفهمني.
سأله الابن:
— وهل هذا هو الحب الذي لم تجد له اسمًا؟
قال الأب:
— لا أدري إن كان حبًا جديدًا، أم أن الحب القديم أصبح جزءًا من شيء أكبر.
لكنني أعرف أنني في شبابي كنت أنتظر لقاء أمك لأنني أشتاق إليها.
أما اليوم، فقد أجلس بجانبها دون أن أتحدث، ويكفيني أن أعرف أنها موجودة.
في الماضي كنا نبحث عن أشياء نفعلها معًا.
أما اليوم، فقد أصبح وجودنا معًا شيئًا له قيمته في ذاته.
ثم أضاف:
— هل تعلم ما أكثر ما يخيفني اليوم؟
توقع الابن أن يقول المرض أو الموت أو الوحدة.
لكنه أجاب:
— أخشى أن أفقد الإنسان الوحيد الذي يتذكر معي تفاصيل حياة كاملة.
فإذا رحلت أمك يومًا، فلن أفقد زوجة أحببتها فحسب؛ سأفقد شاهدة على شبابي، وشريكة ذكرياتي، وصديقة تعرف حكايات لم أروها لأحد.
وسأفقد شخصًا كان يعرف من أنا، قبل أن أصبح الأب الذي تعرفه أنت.
سكت الاثنان.
وبعد قليل قال الابن:
— الآن فهمت لماذا قلت إن درجات الحب لا تكفي لوصف الزوجة.
أجابه الأب:
— لأنها ليست مرتبة أعلى من العشق، ولا درجة أخيرة في سلّم الهوى.
العلاقة الزوجية عالم آخر. قد يجتمع فيه الحب والشغف والمودة والرحمة والصداقة والسكينة والطمأنينة، وقد يتغير نصيب كل منها عبر الزمن.
لكن أجمل ما فيها، حين تنضج، أنها لا تطلب من الإنسان أن يبقى شابًا حتى يظل محبوبًا، ولا أن يبقى قويًا حتى يظل مرغوبًا في صحبته.
إنها تمنحه فرصة أن يكون نفسه، حتى بعد أن يغير الزمن كثيرًا مما كان عليه.
ساد الصمت قليلًا.
ثم نظر الأب إلى ابنه نظرة مختلفة، وقال:
— أتعلم يا بني، هناك شيء لم أخبر به أمك حتى اليوم.
سأله الابن:
— وما هو؟
— أنني نادم.
تفاجأ الابن، وقال:
— نادم على ماذا؟ ألم تقل إنك سعيد بما وصلت إليه علاقتكما؟
تنهد الأب وقال:
— بلى، ولكن السعادة بما وصلنا إليه لا تعني أنني أحسنت استغلال الطريق كله.
أندم على أيام كثيرة كان يمكنني أن أخبر أمك فيها أنني أحبها، ولم أفعل.
على لحظات كانت تنتظر مني كلمة جميلة، فاعتقدت أن وجودي بجانبها يكفي.
على مناسبات مرت دون اهتمام، وأحاديث اختصرتها بحجة الانشغال، ومشاعر ظننت أنها تعرفها فلا حاجة إلى التعبير عنها.
كنت أظن أن العمر طويل، وأن ما لم أقله اليوم يمكنني قوله غدًا.
لكنني اكتشفت متأخرًا أن بعض اللحظات لا تنتظرنا حتى نجد الوقت المناسب لها.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة، وأكمل:
— والأغرب أنني لم أكن مشغولًا دائمًا بما يستحق الانشغال.
أضعت ساعات طويلة في نقاشات مع أشخاص أردت أن أغيّر أفكارهم، وأصلح طباعهم، وأقنعهم بما أراه صحيحًا.
منحت بعضهم وقتًا وصبرًا واهتمامًا أكثر مما منحت أمك في أيام كثيرة.
وبعد سنوات، اكتشفت أن بعضهم لم يتغير، وبعضهم خيّب أملي، وبعض العلاقات لم تكن تستحق كل ما بذلته فيها.
وليس ندمي لأنهم اختلفوا معي، أو لأنني لم أنجح في تغييرهم.
بل لأنني تصرفت وكأن إصلاح الآخرين مسؤولية لا يجوز لي التخلي عنها، بينما كنت أؤجل الاهتمام بمن تشاركني حياتي.
قال الابن:
— لكنك لم تكن تعرف أن الأمور ستنتهي هكذا.
أجابه الأب:
— صحيح. ولهذا لا ألوم نفسي على كل اختيار مضى، وإنما على ميزان الأولويات الذي لم أراجعه مبكرًا.
كنت أعود إلى المنزل بعد ساعات من النقاش والاختلاف، مستنزفًا كل طاقتي، ثم أجلس بجانب أمك صامتًا.
كنت أعتقد أنني أعود إليها لأرتاح من العالم.
ولم أفكر كثيرًا في أن لها حقًا في أجمل ما بقي مني، لا في تعبي وحده.
صمت الأب قليلًا، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
— هل تعرف ما يؤلمني اليوم؟
ليس أنني لم أحب أمك بما يكفي.
بل أنني أحببتها أكثر مما أخبرتها، ومنحت غيرها من وقتي أكثر مما كانوا يستحقون.
نظر إلى ابنه وأضاف:
— لهذا، إن أحببت يومًا، فلا تجعل من تحب يعيش على افتراض أنه يعرف مشاعرك. ولا تنشغل بمحاولة تغيير العالم إلى الحد الذي تنسى فيه الإنسان الذي يشاركك عالمك الصغير.
فليس كل وقت يمكن تعويضه، وليس كل شعور مؤجل يصل إلى صاحبه في موعده.
وفي تلك اللحظة، نادت الأم زوجها من الغرفة المجاورة، تسأله عن أمر بسيط.
التفت الأب نحو صوتها، ثم ابتسم.
قال لابنه:
— أرأيت؟ لقد نادتني أمك.
ثم أضاف:
— في الماضي، كنت أقول لها: لحظة، حتى أنتهي مما يشغلني.
نهض ببطء، ونظر إلى ابنه قائلًا:
— أما اليوم، فلم أعد أريد أن أجعلها تنتظر ما تبقى من عمري.
ومضى نحوها.
بقي الابن في مكانه، يتأمل المقعد الذي تركه أبوه.
كان قد بدأ حديثه بسؤال بسيط: هل ما زال أبي يحب أمي؟
لكنه خرج منه بأسئلة لم تخطر له من قبل.
هل يحتاج الزوجان إلى أربعين عامًا حتى يكتشف كل منهما العالم المختبئ في الآخر؟
وهل تصنع السنوات هذا النوع من الحب، أم أنها تكشف ما كان الزوجان يبنيانه بصمت طوال حياتهما؟
وكم من زوجين ينتظران هدوء الحياة ليبدآ اكتشاف بعضهما، ثم يفاجئهما العمر بأن الوقت لم يعد يتسع لكل ما أجّلاه؟
عندها أدرك الابن أن السؤال لم يعد عن حب أبيه لأمه.
بل عن نفسه، وعن حياته التي لم يعشها بعد.
فربما لا يحتاج الإنسان إلى أربعين عامًا ليتعلم كيف يحب، لكنه قد يحتاج إليها ليدرك كم من الحب أهدر فرص التعبير عنه.
وربما كان أعظم ما في ذلك الحب الذي لا اسم له، أنه لا يُقاس بما نشعر به تجاه من نحب فحسب، بل بما نصنعه معه من حياة، قبل أن تصبح الحياة كلها مجرد ذكريات.