بِسَبَبِنَا
هَلْ فَكَّرْتَ يَوْمًا: لِمَاذَا تَتَسَوَّسُ أَسْنَانُ الإِنْسَانِ؟
يَبْدُو السُّؤَالُ بَسِيطًا، لِأَنَّنَا اعْتَدْنَا عَلَى إِجَابَةٍ جَاهِزَةٍ:
بَكْتِيرْيَا، وَبَقَايَا طَعَامٍ، وَسُكَّرٌ، ثُمَّ تَسَوُّسٌ.
لَكِنَّنَا، إِذَا تَوَقَّفْنَا قَلِيلًا، سَنَرَى المَسْأَلَةَ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى.
الحَيَوَانَاتُ أَيْضًا لَدَيْهَا أَسْنَانٌ.
وَفِي أَفْوَاهِهَا بَكْتِيرْيَا.
وَهِيَ تَأْكُلُ كَمَا نَأْكُلُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَا نَرَى التَّسَوُّسَ مُنْتَشِرًا بَيْنَهَا بِالصُّورَةِ نَفْسِهَا الَّتِي نَرَاهَا عِنْدَ الإِنْسَانِ.
فَلِمَاذَا؟
يَبْدَأُ التَّسَوُّسُ، فِي صُورَتِهِ المُبَسَّطَةِ، عِنْدَمَا تَعِيشُ بَعْضُ أَنْوَاعِ البَكْتِيرْيَا عَلَى سَطْحِ الأَسْنَانِ، وَتَسْتَفِيدُ مِنَ السُّكَّرِيَّاتِ وَالكَرْبُوهِيدْرَاتِ الَّتِي تَصِلُ إِلَى الفَمِ.
ثُمَّ تُنْتِجُ هَذِهِ البَكْتِيرْيَا أَحْمَاضًا، تَهَاجِمُ مِينَا السِّنِّ تَدْرِيجِيًّا.
إِذَنْ، فَالبَكْتِيرْيَا لَا تَأْكُلُ السِّنَّ مُبَاشَرَةً.
هِيَ تَأْكُلُ مِمَّا نَأْكُلُ نَحْنُ.
ثُمَّ تَبْدَأُ المُشْكِلَةُ.
وَهُنَا يَصْبِحُ السُّؤَالُ أَكْثَرَ إِثَارَةً:
لِمَاذَا وَجَدَتْ هَذِهِ البَكْتِيرْيَا عِنْدَ الإِنْسَانِ بِيئَةً مُنَاسِبَةً إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ؟
هَلْ لِأَنَّ أَسْنَانَنَا أَضْعَفُ؟
لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ.
هَلْ لِأَنَّ اللُّعَابَ لَدَيْنَا مُخْتَلِفٌ؟
لَهُ دَوْرٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ التَّفْسِيرَ كُلَّهُ.
هَلْ لِأَنَّنَا نَأْكُلُ أَكْثَرَ؟
رُبَّمَا لَيْسَتِ الكَمِّيَّةُ وَحْدَهَا هِيَ المُشْكِلَةَ.
فَالإِنْسَانُ لَمْ يُغَيِّرْ فَقَطْ مَا يَأْكُلُهُ.
بَلْ غَيَّرَ شَكْلَ الطَّعَامِ نَفْسِهِ.
طَحَنَ الحُبُوبَ.
وَكَرَّرَ السُّكَّرَ.
وَلَيَّنَ الطَّعَامَ.
وَصَنَعَ العَصَائِرَ وَالمَشْرُوبَاتِ المُحَلَّاةَ.
وَحَوَّلَ الأَكْلَ مِنْ وَجَبَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ، إِلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ الفَمَ طَوَالَ اليَوْمِ.
وَهُنَا حَدَثَ شَيْءٌ آخَرُ.
نَحْنُ لَمْ نَعُدْ نُطْعِمُ أَنْفُسَنَا فَقَطْ.
بَلْ أَصْبَحْنَا نُطْعِمُ البَكْتِيرْيَا مَعَنَا.
وَمَعَ كُلِّ وَجْبَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ رَشْفَةٍ مُحَلَّاةٍ، تَبْدَأُ دَوْرَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ الأَحْمَاضِ حَوْلَ الأَسْنَانِ.
لَكِنَّ الإِنْسَانَ عَاشَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ، دُونَ مَشْرُوبَاتٍ غَازِيَةٍ، وَدُونَ حَلْوَيَاتٍ حَدِيثَةٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ التَّسَوُّسُ مَوْجُودًا.
إِذَنْ، فَالسُّكَّرُ الحَدِيثُ لَمْ يَخْتَرِعِ التَّسَوُّسَ.
لَكِنَّهُ رُبَّمَا جَعَلَ بِيئَةَ الفَمِ أَكْثَرَ مُلَاءَمَةً لَهُ.
وَهُنَا تَزْدَادُ المُفَارَقَةُ.
نَحْنُ نَسْتَخْدِمُ فُرْشَاةَ الأَسْنَانِ.
وَمَعْجُونَ الأَسْنَانِ.
وَالخَيْطَ.
وَغَسُولَ الفَمِ.
وَنَزُورُ طَبِيبَ الأَسْنَانِ.
بَيْنَمَا حَيَوَانَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا تَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
فَهَلِ المُشْكِلَةُ فِي أَنَّ أَسْنَانَ الإِنْسَانِ تَحْتَاجُ إِلَى كُلِّ هَذِهِ الحِمَايَةِ؟
أَمْ أَنَّنَا صَنَعْنَا نَمَطَ حَيَاةٍ جَعَلَ هَذِهِ الحِمَايَةَ ضَرُورِيَّةً؟
هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الأَهَمُّ.
لِأَنَّ الأَسْنَانَ نَفْسَهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.
لَكِنَّ الطَّعَامَ تَغَيَّرَ.
وَمَوَاعِيدَ الأَكْلِ تَغَيَّرَتْ.
وَكَمِّيَّةَ السُّكَّرِ تَغَيَّرَتْ.
وَطَرِيقَةَ تَجْهِيزِ الطَّعَامِ تَغَيَّرَتْ.
وَرُبَّمَا تَغَيَّرَتْ مَعَهَا البِيئَةُ الَّتِي تَعِيشُ فِيهَا البَكْتِيرْيَا دَاخِلَ أَفْوَاهِنَا.
عِنْدَهَا، يُصْبِحُ التَّسَوُّسُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مُشْكِلَةٍ فِي الأَسْنَانِ.
يُصْبِحُ مِثَالًا صَغِيرًا عَلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ:
أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَصْنَعُ ظَرْفًا جَدِيدًا، ثُمَّ يَقْضِي سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً وَهُوَ يُعَالِجُ نَتَائِجَ هَذَا الظَّرْفِ.
وَرُبَّمَا لِهَذَا، لَا يَكُونُ السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ:
لِمَاذَا تَتَسَوَّسُ أَسْنَانُنَا؟
بَلْ:
مَاذَا غَيَّرْنَا نَحْنُ، حَتَّى أَصْبَحَ التَّسَوُّسُ جُزْءًا عَادِيًّا مِنْ حَيَاتِنَا؟
وَالأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ:
إِذَا كَانَ هَذَا مَا حَدَثَ فِي الأَسْنَانِ فَقَطْ…