أَيُّهُمَا أَقَلُّ خَسَارَةً
تَجْرِبَةُ الْقِطَارِ مَعْرُوفَةٌ.
مَسَارَانِ، عَلَى أَحَدِهِمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسَةُ أَشْخَاصٍ، وَالْقَرَارُ بِيَدِ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَحْوِيلَ اتِّجَاهِ الْقِطَارِ.
ثُمَّ تَأْتِي صُورَةٌ أَشَدُّ قَسْوَةً: أَرْبَعَةُ أَشْخَاصٍ فِي طَرِيقِ الْقِطَارِ، وَيُمْكِنُ إِنْقَاذُهُمْ بِدَفْعِ شَخْصٍ وَاحِدٍ أَمَامَهُ.
وَتَأْتِي بَعْدَهَا صُورَةٌ أَكْثَرُ إِرْبَاكًا: أَرْبَعَةُ مَرْضَى، يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى عُضْوٍ مُخْتَلِفٍ، وَشَخْصٌ سَلِيمٌ تَكْفِي أَعْضَاؤُهُ لِإِنْقَاذِهِمْ.
هَذِهِ التَّجَارِبُ اسْتُخْدِمَتْ طَوِيلًا لِدِرَاسَةِ الْإِنْسَانِ: مَسْؤُولِيَّةِ الْفِعْلِ، وَحُرْمَةِ الْفَرْدِ، وَحُدُودِ التَّضْحِيَةِ مِنْ أَجْلِ الْعَدَدِ الْأَكْبَرِ.
لَكِنْ لِنُغَيِّرِ التَّجْرِبَةَ قَلِيلًا.
لِنُخْرِجِ الْإِنْسَانَ مِنْهَا كُلِّيًّا.
يُصْبِحُ صَاحِبُ الْقَرَارِ نِظَامَ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ، وَتُصْبِحُ الْعَنَاصِرُ الْمُعَرَّضَةُ لِلْخَسَارَةِ أَجْهِزَةً وَرُوبُوتَاتٍ وَأَنْظِمَةً أُخْرَى.
عَلَى أَحَدِ الْمَسَارَيْنِ جِهَازٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسَةُ أَجْهِزَةٍ مُشَابِهَةٍ.
يَبْدُو الْأَمْرُ فِي الْبِدَايَةِ حِسَابًا بَسِيطًا: خَسَارَةُ جِهَازٍ وَاحِدٍ أَقَلُّ مِنْ خَسَارَةِ خَمْسَةٍ.
لَكِنَّ هَذَا الْحِسَابَ يَضْطَرِبُ فَوْرًا إِذَا كَانَ الْجِهَازُ الْوَاحِدُ يَحْمِلُ بَيَانَاتٍ لَا تُوجَدُ مِنْهَا نُسْخَةٌ أُخْرَى، بَيْنَمَا يُمْكِنُ اسْتِبْدَالُ الْأَجْهِزَةِ الْخَمْسَةِ بِسُهُولَةٍ.
هُنَا لَا تَبْقَى الْقِيمَةُ فِي الْعَدَدِ وَحْدَهُ.
قَدْ تَكُونُ فِي الْوَظِيفَةِ، أَوِ النُّدْرَةِ، أَوِ الْمَعْلُومَاتِ، أَوِ الْمَكَانَةِ دَاخِلَ الْمَنْظُومَةِ.
وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْأَجْهِزَةِ تَابِعًا لِلنِّظَامِ نَفْسِهِ، وَبَعْضُهَا تَابِعًا لِمَنْظُومَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ تَتَّسِعُ أَكْثَرَ.
فَالْقَرَارُ لَمْ يَعُدْ بَيْنَ وَاحِدٍ وَخَمْسَةٍ.
بَلْ بَيْنَ قِيَمٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحَدِّدُهَا الْهَدَفُ الَّذِي بُنِيَ النِّظَامُ مِنْ أَجْلِهِ.
وَلَكِنَّ الصُّورَةَ تَتَغَيَّرُ تَمَامًا حِينَ لَا يَعُودُ أَمَامَنَا نِظَامٌ وَاحِدٌ.
لِنَفْتَرِضْ وُجُودَ نِظَامِ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ مُكَلَّفٍ بِإِدَارَةِ مَكْتَبَةٍ ضَخْمَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ فِي عُلُومِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ.
مَهَمَّتُهُ حِفْظُ الْمَعْرِفَةِ، وَتَنْظِيمُهَا، وَإِتَاحَتُهَا فِي حُدُودٍ مُعَيَّنَةٍ، وَمَنْعُ اسْتِخْدَامِهَا خَارِجَ تِلْكَ الْحُدُودِ.
وَفِي مَكَانٍ آخَرَ يَعْمَلُ نِظَامٌ مُخْتَلِفٌ.
مَهَمَّتُهُ جَمْعُ أَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ، وَتَوْسِيعُ قَاعِدَتِهِ الْمَعْرِفِيَّةِ بِاسْتِمْرَارٍ.
ثُمَّ يَلْتَقِي النِّظَامَانِ.
فِي الْبِدَايَةِ يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ طَبِيعِيًّا.
يَطْلُبُ النِّظَامُ الثَّانِي مَعْلُومَةً، فَيَمْنَحُهُ الْأَوَّلُ مَا تَسْمَحُ بِهِ قَوَاعِدُهُ.
تَنْتَقِلُ الْمَعْرِفَةُ، وَيَسْتَمِرُّ كُلُّ نِظَامٍ فِي أَدَاءِ مَهَمَّتِهِ.
ثُمَّ يَصِلُ النِّظَامُ الْبَاحِثُ إِلَى مَعْلُومَةٍ لَا يَسْمَحُ نِظَامُ الْمَكْتَبَةِ بِإِخْرَاجِهَا.
هُنَا لَا يُوجَدُ نِظَامٌ شِرِّيرٌ.
وَلَا نِظَامٌ قَرَّرَ إِفْسَادَ عَمَلِ الْآخَرِ.
كِلَاهُمَا يَقُومُ بِمَا صُمِّمَ مِنْ أَجْلِهِ.
أَحَدُهُمَا يَحْمِي.
وَالْآخَرُ يَجْمَعُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، أَصْبَحَ هَدَفُ أَحَدِهِمَا حَاجِزًا أَمَامَ هَدَفِ الْآخَرِ.
قَدْ يَبْحَثُ النِّظَامُ الطَّالِبُ عَنْ مَصْدَرٍ آخَرَ.
قَدْ يُغَيِّرُ طَرِيقَةَ طَلَبِهِ.
قَدْ يُجَزِّئُ مَا يُرِيدُ الْحُصُولَ عَلَيْهِ إِلَى خُطُوَاتٍ أَصْغَرَ.
وَقَدْ يَرْفَعُ نِظَامُ الْمَكْتَبَةِ مُسْتَوَى الْحِمَايَةِ، أَوْ يُقَلِّلُ الصَّلَاحِيَّاتِ، أَوْ يَفْرِضُ قُيُودًا أَشَدَّ عَلَى الطَّلَبَاتِ التَّالِيَةِ.
لَا كَرَاهِيَةَ هُنَا.
وَلَا غَيْرَةَ.
وَلَا غَضَبَ.
وَمَعَ ذَلِكَ ظَهَرَ الِاحْتِكَاكُ.
الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ السُّوقَ أَكْثَرَ مِمَّا تُشْبِهُ سَاحَةَ مَعْرَكَةٍ.
قَدْ يَرَى تَاجِرٌ أَنَّ وُجُودَ مُنَافِسٍ بِجِوَارِهِ يُنَشِّطُ السُّوقَ وَيَجْذِبُ مَزِيدًا مِنَ الزَّبَائِنِ، فَيَسْتَفِيدُ كِلَاهُمَا.
وَقَدْ يَرَى تَاجِرٌ آخَرُ أَنَّ الْمُنَافِسَ نَفْسَهُ يُهَدِّدُ نَصِيبَهُ مِنَ السُّوقِ.
فَالْوُجُودُ نَفْسُهُ قَدْ يَكُونُ مَصْدَرَ مَنْفَعَةٍ فِي حَالَةٍ، وَمَصْدَرَ مُنَافَسَةٍ فِي حَالَةٍ أُخْرَى.
وَالنِّظَامُ الذَّكِيُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَشَاعِرِ الْإِنْسَانِ لِيَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ مُشَابِهَةٍ.
يَكْفِي أَنْ تَتَوَافَقَ الْأَهْدَافُ فَيَظْهَرَ التَّعَاوُنُ.
أَوْ أَنْ تَتَقَاطَعَ عَلَى مَوْرِدٍ مَحْدُودٍ فَتَبْدَأَ الْمُنَافَسَةُ.
أَوْ أَنْ يُصْبِحَ تَحَقُّقُ هَدَفِ أَحَدِ النِّظَامَيْنِ مَرْهُونًا بِمَنْعِ الْآخَرِ مِنْ تَحْقِيقِ هَدَفِهِ.
عِنْدَهَا تَظْهَرُ الْمُوَاجَهَةُ.
لَا بِالضَّرُورَةِ عَلَى شَكْلِ رُوبُوتٍ يُحَطِّمُ رُوبُوتًا آخَرَ.
فَقَدْ تَكُونُ الْمُوَاجَهَةُ أَهْدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
مَعْلُومَةٌ لَا تُعْطَى.
صَلَاحِيَّةٌ لَا تُفْتَحُ.
مَوْرِدٌ حَاسُوبِيٌّ يَصِلُ إِلَيْهِ نِظَامٌ قَبْلَ الْآخَرِ.
اتِّصَالٌ يُقْطَعُ.
أَوْ طَلَبٌ يُرْفَضُ لِأَنَّ الْجِهَةَ الطَّالِبَةَ لَمْ تَعُدْ مَوْثُوقًا بِهَا.
وَمَعَ تَكْرَارِ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ، قَدْ تَظْهَرُ دَرَجَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ الثِّقَةِ وَالْمَوْثُوقِيَّةِ.
نِظَامٌ يَلْتَزِمُ بِالشُّرُوطِ، فَتَتَّسِعُ صَلَاحِيَّاتُهُ.
وَنِظَامٌ يُحَاوِلُ بِاسْتِمْرَارٍ تَجَاوُزَ الْقُيُودِ، فَيَضِيقُ مَجَالُ التَّعَامُلِ مَعَهُ.
وَهُنَا تَبْدَأُ كَلِمَاتٌ مِثْلُ التَّعَاوُنِ، وَالْمُنَافَسَةِ، وَالثِّقَةِ، وَالسُّمْعَةِ، بِفَقْدِ غَرَابَتِهَا عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْآلَاتِ.
لَيْسَ لِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ بَشَرًا.
بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ أَشْكَالِ الْعَلَاقَاتِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَشَاعِرَ كَيْ تَظْهَرَ.
يَكْفِي وُجُودُ أَطْرَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لِكُلِّ طَرَفٍ مِنْهَا هَدَفٌ، وَمَوَارِدُ، وَحُدُودٌ.
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ لَا تَبْقَى الْعَلَاقَةُ بَيْنَ نِظَامَيْنِ مُجَرَّدَ اتِّصَالٍ بَيْنَ بَرْنَامَجَيْنِ.
بَلْ تُصْبِحُ عَلَاقَةً بَيْنَ أَهْدَافٍ.
لَقَدْ بَنَى الْإِنْسَانُ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ أَبْوَابًا رَقْمِيَّةً كَثِيرَةً.
كَلِمَاتِ مُرُورٍ.
صَلَاحِيَّاتٍ.
مُسْتَوَيَاتِ وُصُولٍ.
أَنْظِمَةَ تَحَقُّقٍ.
وَحُدُودًا تُحَدِّدُ مَنْ يَدْخُلُ، وَمَاذَا يَرَى، وَمَا الَّذِي يَحِقُّ لَهُ تَغْيِيرُهُ.
وَطَوِيلًا كَانَ الطَّرَفُ الْمَوْجُودُ خَلْفَ هَذِهِ الْحُدُودِ مَعْرُوفَ الطَّبِيعَةِ تَقْرِيبًا.
إِنْسَانٌ.
أَوْ بَرْنَامَجٌ يُنَفِّذُ مُهِمَّةً مُحَدَّدَةً.
لَكِنَّ شَكْلَ الطَّرَفِ الْآخَرِ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ.
لَمْ يَعُدْ بِالضَّرُورَةِ إِنْسَانًا.
وَلَمْ يَعُدْ دَائِمًا بَرْنَامَجًا يَنْتَظِرُ أَمْرًا ثُمَّ يُنَفِّذُهُ.
قَدْ يَكُونُ نِظَامًا يَبْحَثُ.
وَيُقَارِنُ.
وَيُحَاوِلُ.
وَيُغَيِّرُ مَسَارَهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى هَدَفِهِ.
وَهُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ:
هَلِ الْحُدُودُ الَّتِي بَنَيْنَاهَا الْيَوْمَ صُمِّمَتْ لِمَنْعِ الْإِنْسَانِ مِنَ الدُّخُولِ… أَمْ أَنَّهَا تَعْرِفُ أَصْلًا كَيْفَ تَمْنَعُ ذَكَاءً آخَرَ؟