ما الذي يكون فعلًا بين يدي؟
هل هو ما أملكه؟
أم ما أستطيع الوصول إليه؟
أم ما سيأتيني لأن الله قد كتبه لي؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يضعنا أمام ثلاث مساحات نعيش بينها كل يوم: الواقع، والخيال، والإيمان.
أمد يدي فأرى الهاتف فيها. هذا بين يدي بلا جدال.
أنظر إلى حسابي المصرفي، أو بيتي، أو سيارتي، فأقول: هذه أشياء أملكها، فهي ضمن عالمي الحاضر.
لكن ماذا عن شيء أستطيع شراءه ولم أشتره بعد؟
أو فرصة أستطيع الوصول إليها؟
أو إنسان أستطيع الاتصال به الآن؟
هل القدرة على الوصول تجعل الشيء قريبًا من الملكية؟
ثم ماذا عن شيء لا أملكه ولا أستطيع الوصول إليه اليوم، لكنني أؤمن أن ما كتبه الله لي سيأتيني في وقته؟
هنا تبدأ الحدود في التداخل.
ما أملكه
نحن نميل إلى ربط الملكية بالحيازة.
هذا مالي.
هذا بيتي.
هذه وظيفتي.
وهذا ما بنيته بجهدي.
لكن الحياة تذكر الإنسان باستمرار أن هناك فرقًا بين أن يكون الشيء في ملكه، وأن يكون مصيره في يده.
قد يملك المال ولا يملك دوام الانتفاع به.
وقد يملك البيت ولا يملك البقاء فيه.
وقد يملك القوة اليوم ولا يضمن بقاءها غدًا.
حتى الجسد الذي يرافقنا منذ الولادة لا نملك له شبابًا دائمًا ولا صحة مستمرة.
ولهذا تبدو الملكية في التصور الإسلامي أهدأ من فكرة السيطرة المطلقة.
قال تعالى:
﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾
النور: 33
هو مال في يد الإنسان، وله فيه حق وتصرف، لكنه في النهاية داخل ملك الله.
وهذا وحده يعيد ترتيب علاقتنا بما نملك.
ننتفع به، ونحافظ عليه، ونسأل عنه، لكننا لا نتعامل معه كأنه خارج عن التغير والزوال.
ما أستطيع الوصول إليه
هناك دائرة أخرى أوسع من الملكية: القدرة.
قد لا أملك شيئًا، لكنني أملك وسيلة للوصول إليه.
أستطيع أن أتعلم.
أستطيع أن أسافر.
أستطيع أن أبدأ مشروعًا.
أستطيع أن أتصل بشخص.
أستطيع أن أحاول تغيير كثير مما حولي.
وهذه القدرة مهمة، لأن الإنسان لم يُخلق متفرجًا على حياته.
لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بين القدرة على السعي وضمان النتيجة.
أستطيع أن أسلك الطريق، لكنني لا أملك أن يصل بي إلى ما أريد.
أستطيع أن أزرع، لكنني لا أخلق الثمرة.
أستطيع أن أختار، لكنني لا أرى كل ما سيترتب على اختياري.
وهنا يصبح السعي مسؤولية، لا ضمانًا.
وما لم يحدث بعد؟
هناك أشياء لا نملكها، لكنها تعيش معنا في الذهن.
بيت لم نبنه.
مشروع لم يبدأ.
شخص لم يدخل حياتنا.
مستقبل لم يصل بعد.
العقل يستطيع أن يمنح هذه الأشياء حضورًا عجيبًا.
فنفرح بما لم يحدث.
ونخاف مما لم يقع.
ونتعلق بشيء لم يصبح يومًا جزءًا من واقعنا.
وهنا يأتي الخيال.
والخيال في ذاته ليس خطأ.
فمن دونه لا يولد مشروع، ولا خطة، ولا فكرة جديدة.
لكن المشكلة حين يتحول الاحتمال إلى يقين.
حين نقول في داخلنا: لا بد أن يحدث هذا، لأنه ما أريده.
عندها يبدأ الإنسان في امتلاك المستقبل قبل أن يأتي، ثم يتألم إذا جاء مختلفًا.
هنا يختلف الإيمان عن الخيال
الإيمان بالقدر لا يعني أنني أعرف ما سيحدث.
ولا يعني أنني أستطيع قراءة اختيار الله لي من خلال رغباتي.
أنا لا أعرف ما الذي كُتب.
لكنني أؤمن أن ما يقع لا يخرج عن علم الله وحكمته.
وهناك فرق كبير بين القول:
«هذا ما أريده، ولذلك أظن أنه سيكون لي.»
وبين القول:
«هذا ما أريده، وسأسعى إليه، لكنني أؤمن أن اختيار الله لي هو خير من اختياري لنفسي.»
هذه بالنسبة لي هي النقطة الأعمق.
أنا لا أؤمن فقط أن الله يعلم ما سيحدث.
بل أؤمن أنني لو عرفت الصورة كاملة كما يعلمها الله، ورأيت البداية والنهاية، والظاهر والخفي، والأثر القريب والبعيد، لاخترت لنفسي ما اختاره الله لي.
قد لا أفهم اختياره في لحظته.
وقد أتألم منه.
وقد أظن أن بابًا أُغلق في وجهي بينما كنت أراه أفضل الأبواب.
لكن جهلي بالصورة الكاملة لا يجعل اختياري أفضل.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
البقرة: 216
المشكلة إذن ليست في أن الإنسان يختار.
بل في أنه يختار من صورة ناقصة.
يرى الحاضر ولا يرى كل المستقبل.
يرى الرغبة ولا يرى كل نتائجها.
يرى الألم ولا يرى دائمًا ما قد يخرج منه.
هل يعني ذلك أن أتوقف عن الاختيار؟
العكس تمامًا.
أنا مطالب بأن أختار.
أن أفكر.
أن أدرس الاحتمالات.
أن أستشير.
أن أستخير.
أن أتحرك.
ثم أقبل أن معرفتي محدودة.
الإيمان بالقدر لا يعفي الإنسان من القرار، لكنه يمنعه من عبادة قراره.
لا يقول له: لا تخطط.
بل يقول له: خطتك ليست الكون كله.
ولا يقول: لا ترغب.
بل يقول: رغبتك ليست دليلًا على الخير.
ولا يقول: لا تحزن.
بل يفتح للحزن بابًا آخر؛ أن ما خفي عنك من الحكمة قد يكون أكبر مما ظهر لك من الألم.
ما بين يدي فعلًا
ربما بعد كل ذلك يتغير معنى العبارة نفسها.
«بين يدي» ليس فقط ما أملكه.
وليس كل ما أستطيع الوصول إليه.
وليس ما أتمنى أن يكون لي.
أقرب ما يكون بين يدي هو ما أستطيع أن أفعله الآن.
قراري.
سعيي.
موقفي.
الكلمة التي سأقولها.
الخطوة التي سأبدأ بها.
أما النتيجة، فهي ليست ملكًا خالصًا لي.
ولهذا يمكن أن نرى الحياة في ثلاث دوائر:
ما أملكه الآن، فأحسن التعامل معه.
ما أستطيع السعي إليه، فأبذل سببه.
وما لا أعلمه، فأوكله إلى الله.
حين تختلط هذه الدوائر يبدأ القلق.
وحين تستقيم، تتغير نظرة الإنسان للحياة.
الواقع والخيال والإيمان
الواقع يقول: هذا موجود الآن.
والخيال يقول: هذا يمكن أن يكون.
أما الإيمان فيقول: هناك ما لا أعرفه، لكنني أثق بمن يعلمه.
لهذا لا أحتاج أن أجعل الخيال حقيقة حتى أطمئن.
ولا أن أضمن المستقبل قبل أن أتحرك.
ولا أن أفهم كل ما يحدث لي حتى أؤمن أن له حكمة.
يكفيني أن أبذل أفضل ما أستطيع، بما أعرفه اليوم.
ثم أترك مساحة لما لا أعرفه.
ربما يكون بين يديك اليوم ما يخرج منها غدًا.
وربما يكون بعيدًا عنك ما سيأتيك من طريق لم يخطر لك.
وربما تتمسك بخيار سنوات ثم تكتشف، بعد أن يتغير الطريق، أن ما حدث كان أقرب إلى مصلحتك مما كنت ستختاره بنفسك.
لذلك لا تجعل الملكية غرورًا.
ولا القدرة وهمًا.
ولا الأمنية قدرًا.
افعل ما تستطيع.
واختر بأفضل ما لديك من عقل ومعرفة.
ثم اطمئن إلى أن الله يرى من الصورة ما لا تراه.
وأنا أؤمن أنني لو رأيت الصورة كاملة، وعرفت ما يعرفه الله من بدايتها إلى نهايتها، لما وجدت لنفسي اختيارًا أفضل مما اختاره لي.
ولعل هذه هي الطمأنينة الحقيقية:
أن يكون ما بين يدي مسؤوليتي،
وما وراء يدي سعيي،
وما فوق قدرتي في يد الله.