مقالة

في كل زمن تتغير

في كل زمن تتغير أشياء كثيرة.

أفكار، عادات، أساليب حياة، طرق عمل، وحتى شكل العلاقات بين الناس.

وهذا طبيعي.

المشكلة ليست في التغيير نفسه، بل في أن بعض الناس يخلطون بين التغيير وبين التنازل. بين المرونة وبين فقدان المبدأ. بين التطور وبين أن يصبح الإنسان مستعدًا لبيع أي شيء مقابل قبول، أو مصلحة، أو مكسب سريع.

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية مع القيم.

الذهب لم يحتفظ بمكانته لأنه يلمع فقط. هناك أشياء كثيرة تلمع أكثر منه. لكنه نادر، ثابت، وصعب التعويض.

وبعض القيم تشبهه في ذلك.

الصدق، الأمانة، الوفاء، احترام الناس، حفظ الحقوق، وعدم استغلال الضعيف.

هذه الأشياء قد تبدو عادية حين تكون منتشرة. لكن قيمتها تظهر أكثر حين يصبح التنازل عنها أسهل.

أن تكون صادقًا وأنت لن تخسر شيئًا، أمر بسيط.

لكن ماذا لو كان الكذب سيعطيك فرصة؟

أن تكون وفيًا حين كل شيء يسير كما تريد، ليس اختبارًا حقيقيًا.

لكن ماذا لو أصبح التخلي عن شخص أو موقف أسهل لك؟

أن تكون أمينًا حين الجميع يراقبك، أمر متوقع.

لكن ماذا لو لم يكن هناك من يراك؟

هنا يظهر الفرق.

القيم لا تُختبر في الكلام، بل في اللحظة التي يصبح فيها التخلي عنها مفيدًا.

وقد يكون هذا أصعب في سن الشباب تحديدًا.

لأنك في هذه المرحلة تريد أن تثبت نفسك، وتنجح، وتكون مقبولًا، وتدخل الدائرة، وتحصل على الفرصة.

وهذا طبيعي أيضًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القبول أهم من أن تكون أنت.

فتوافق على شيء لا تقتنع به حتى لا تُستبعد.

وتبالغ في صورتك حتى تبدو أفضل.

وتسكت عن خطأ لأن الاعتراض قد يضرك.

وتغيّر موقفك لأن الاتجاه العام تغيّر.

وبعد فترة، قد تنجح فعلًا في إرضاء من حولك.

لكن السؤال: كم بقي منك أنت؟

السوشيال ميديا جعلت المسألة أصعب.

اليوم يمكن لفكرة ضعيفة أن تبدو قوية فقط لأنها منتشرة. ويمكن لشخص فارغ أن يبدو مهمًا فقط لأن الجميع يتحدث عنه. ويمكن لسلوك سيئ أن يتحول إلى شيء طبيعي لأنك تراه كل يوم.

التكرار يصنع الألفة، لكنه لا يصنع الحقيقة.

والانتشار يصنع الشهرة، لكنه لا يصنع القيمة.

لهذا لا تجعل عدد من يفعلون الشيء معيارًا للحكم عليه.

قد يأتي وقت يصبح فيه الشخص الذي لا يكذب ليحسن صورته نادرًا.

والشخص الذي يفي بكلمته، نادرًا.

والشخص الذي لا يبيع صديقه، ولا يستغل غيره، ولا يغير موقفه مع كل مصلحة، نادرًا.

ليس لأنه أفضل من الناس لمجرد اختلافه.

بل لأنه احتفظ بشيء أصبح التفريط فيه سهلًا.

لكن التمسك بالقيم لا يعني أن تتمسك بكل قديم.

قد تكون بعض أفكارك خاطئة.

وقد تحتاج بعض عاداتك إلى تغيير.

وقد تكتشف بعد سنوات أن شيئًا كنت تؤمن به لم يكن صحيحًا أصلًا.

وهنا يجب أن تتغير.

فالتمسك بالقيم لا يعني إغلاق العقل.

بل يعني أن تراجع أفكارك، وتغيّر ما يحتاج إلى تغيير، من دون أن تجعل المصلحة وحدها هي من يقرر ما هو صحيح وما هو خطأ.

تغيّر في أسلوبك.

تطوّر في فهمك.

تتعلم.

تجرب.

وتعيد النظر.

لكن لا تجعل كل شيء قابلًا للبيع.

لأن بعض الخسائر ليست خسائر فعلًا.

قد تخسر فرصة لأنك رفضت الغش.

وقد تخسر علاقة لأنك رفضت الإهانة.

وقد تتأخر لأنك لم تستخدم الطريق الأسهل.

لكن أحيانًا تكون هذه الخسائر هي الشيء الذي يحفظك.

وفي المقابل، هناك مكاسب تبدو جميلة في البداية، ثم تكتشف أن ثمنها كان أكبر منها.

الذهب لا ترتفع قيمته لأنه موجود في كل مكان.

وقيمة الإنسان أيضًا لا تظهر في كثرة ما يملك، ولا في عدد من يصفقون له.

بل في الأشياء التي يستطيع بيعها، ثم يقرر ألا يبيعها.

ربما سيأتي زمن يصبح فيه بعض أصحاب القيم أقل عددًا.

وإن حدث ذلك، فلا تجعل القلة تخدعك.

ليس كل ما قلّ خطأ.

وليس كل ما انتشر صحيحًا.

تمسّك بما يستحق.

لأنك قد تعوض مالًا، وفرصة، وحتى بعض العلاقات.

لكن هناك أشياء إذا بعتها مرة، يصعب أن تشتريها من جديد.

بقلم الدعي

مساحة القارئ

هذه المساحة اختيارية
انشرها

شارك المقالة مع من قد تعنيه

جهزنا لك نصًا مختصرًا يمكنك نسخه أو مشاركته مباشرة.

دعوة للقراءة: «في كل زمن تتغير»

التغيّر مطلوب ما دام تطورًا في الفهم والأسلوب، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى بيع القيم من أجل القبول أو المصلحة؛ فقيمة الإنسان تظهر في ما يقدر على التفريط فيه ثم يختار أن يحافظ عليه. أن يعيد القارئ، خصوصًا الشاب، ضبط علاقته بفكرة التغيّر: فيقبل التطور ومراجعة الأفكار دون أن يخلط ذلك بالتنازل عن القيم، وأن يصبح أكثر وعيًا باللحظات التي تُباع فيها المبادئ تحت ضغط القبول أو المصلحة أو الانتشار الاجتماعي.

#أفكاري #مقالات #هواجس #الدعي