قد تبدأ الحكاية بقصيدة.
يستمع الإنسان إلى الشعر مرة بعد أخرى، لا لأنه شاعر، بل لأنه يجد فيه ما يلامس شعوره. ومع الوقت يحفظ بعض الأبيات، ويتأثر بطريقة الإلقاء، ثم يشعر برغبة في أن يعبّر هو أيضًا بالطريقة نفسها.
قد يكتب بيتًا.
أو يبحث عن كلمات تشبه إحساسه.
أو يحاول أن يلقي ما يشعر به بصوت يشبه ما اعتاد سماعه.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل كان الشعر موجودًا داخله منذ البداية، أم أن كثرة التعرض له ساهمت في خلق هذه الرغبة؟
ربما الأمران معًا.
فالإنسان لا يمر على المحتوى مرورًا كاملًا. شيء منه يبقى: كلمة، فكرة، طريقة تعبير، زاوية نظر، أو إحساس يتكرر حتى يصبح مألوفًا.
ومن يستمع طويلًا إلى الشعر العاطفي قد يبدأ في ملاحظة أشياء لم تكن تستوقفه من قبل؛ الغياب، اللقاء، المطر، الطريق، الذكرى، ونبرة الصوت.
الأحداث لم تتغير.
الذي تغير هو طريقته في رؤيتها.
وهنا تبدأ المسألة في تجاوز الشعر.
فالمحتوى لا يقدم لنا معلومات فقط، بل يقدم لنا أيضًا طريقة لترتيب هذه المعلومات.
يقول لنا، من حيث لا نشعر، ما الذي يستحق أن ننتبه إليه، وما الذي يستحق أن نغضب منه، وما الذي يبدو طبيعيًا، وما الذي يبدو غريبًا.
ومع الزمن قد لا نعود نستخدم كلمات المحتوى فقط، بل نبدأ في استخدام منطقه.
وهنا يصبح الفصل صعبًا بين ما اخترناه بأنفسنا وبين ما تعلمنا أن نختاره.
فالذي يتابع محتوى سياسيًا من اتجاه واحد لا يسمع موقفًا فقط، بل يتعلم مع الوقت أين يبحث عن الخطأ، وكيف يقرأ القرار، ومن يضعه في موضع المسؤولية.
والذي يتابع محتوى تجاريًا قائمًا دائمًا على الفرص والنجاح قد لا يتعلم الاستثمار وحده، بل قد تتغير عنده تدريجيًا فكرة المخاطرة والطموح والرضا.
لكن الخطر ليس في التكرار نفسه.
فالتكرار ضروري أحيانًا.
المتخصص يحتاج إليه حتى يتعمق، وصاحب الهواية يحتاج إليه حتى يتطور، ومن يريد إتقان شيء لا يمكنه أن يظل متنقلًا على سطح الأشياء.
المشكلة تبدأ حين يتحول التخصص إلى عالم مغلق.
وحين لا يعود الإنسان يرى خارج المجال الذي يكرره.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين شخصين يتابعان المحتوى نفسه.
الأول يدخل إليه وهو يحتفظ بمسافة تسمح له بالمقارنة والمراجعة.
أما الثاني، فيترك المجال يتمدد حتى يبدأ بتفسير أشياء لا تنتمي إليه أصلًا.
فالرياضة مثلًا قد تكون عند أحدهم معرفةً وصحةً وانضباطًا، بينما قد تتحول عند آخر إلى المعيار الذي يقيس به نفسه والآخرين.
والسياسة قد تكون عند شخص وسيلة لفهم القرار العام، بينما تصبح عند آخر عدسة يفسر بها العلاقات والعمل والمجتمع، حتى فيما لا يحتاج إلى تفسير سياسي.
والفرق ليس في الرياضة ولا في السياسة.
الفرق في المساحة التي سمح الإنسان للمحتوى بأن يحتلها داخله.
لهذا يصبح التنوع مهمًا.
ليس لأنه يمنع التخصص، بل لأنه يمنع التخصص من التحول إلى عزلة فكرية.
أن ترى الرأي ونقيضه.
أن تسمع من يؤيد ومن يعارض.
أن تعرف من داخل مجالك، ثم تخرج أحيانًا لتنظر إليه من خارجه.
هذا التضاد لا يشتت بالضرورة.
أحيانًا هو الذي يصحح المسار.
فالإنسان إذا سمع رأيًا واحدًا مدة طويلة قد لا يقتنع به فقط، بل قد ينسى أن له بدائل.
وحين يحدث ذلك، لا يعود المحتوى مجرد شيء يتابعه.
بل يصبح البيئة التي يفكر من داخلها.
وتزداد هذه المسألة دقة مع الخوارزميات.
فالمنصة لا تنتظر منا أن نقرر كل مرة ما نريد رؤيته.
هي تراقب ما نتوقف عنده، ثم تعيده إلينا بصور جديدة.
وكلما استجبنا، ضاقت الدائرة أكثر.
وبعد مدة قد يرى الإنسان أمامه عشرات الأصوات المختلفة، بينما هي في الحقيقة تقول له الفكرة نفسها بوجوه متعددة.
وهنا قد يقع الوهم.
أن كثرة المحتوى تعني كثرة الآراء.
بينما قد يكون ما نراه مجرد تكرار واسع لفكرة واحدة.
ليس المطلوب أن نهرب من التخصص، ولا أن نقلل من متابعة ما نحبه، ولا أن نخشى التكرار.
بل أن نعرف الفرق بين التعمق والانغلاق.
التعمق يزيد المعرفة.
أما الانغلاق فيجعل الإنسان يرى كل شيء من نافذة واحدة.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم:
كم أتابع من هذا المحتوى؟
بل:
هل ما أتابعه يوسع رؤيتي، أم أنه يعيد الفكرة نفسها حتى تصبح عندي الحقيقة الوحيدة؟
فالإنسان قد يختار ما يشبهه.
لكن عليه أن يترك في حياته ما يكفي من الاختلاف ليصحح له المسار حين يبدأ في الابتعاد عنه